الشيخ محمد رشيد رضا
256
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( 208 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 209 ) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 210 ) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ * * * بعد ما بين عز وجل اختلاف الناس في الصلاح والفساد والاصلاح والافساد أراد أن يهدينا إلى ما يجمع البشر كافة على الصلاح والسّلام ، والوفاق الذي قرره الاسلام ، وهو ما يقتضيه الايمان باللّه واليوم الآخر ، وجعل هذه الهداية بصيغة الامر وشرف أهل الايمان به فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً الخ السلم المسالمة والانقياد والتسليم ، فيطلق على الصلح والسّلام ، وعلى دين الاسلام قرأ ابن كثير ونافع والكسائي السلم بفتح السين والباقون بكسرها وهما لغتان . وقد فسره بعض المفسرين بالصلح وبعضهم بالاسلام وعليه الجلال ، وقال في تفسير « كافة » حال من السلم أي في جميع شرائعه . وأقول إن أساسها لاستسلام لأمر اللّه والاخلاص له ، ومن أصولها الوفاق والمسالمة بين الناس وترك الحروب والقتال بين المهتدين به واللفظ يشمل جميع معانيه التي يقتضيها المقام ، والامر بالدخول فيه يشعر بأنه حصن منيع للداخلين في كنفه ، وهو للكاملين منهم أمر بالثبات والدوام كقوله تعالى ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ) ولمن دونهم أمر بالتمكن منه وتحري الكمال فيه ، وعلى القول بان الخطاب فيه لأهل الكتاب أو كل من يؤمن باللّه فالدخول على حقيقته . يقول لهم إذا لم تدخلوا في دين الاسلام الذي أكمله لخلقه كافة ببعثة خاتم النبيين ، فلا ينفعكم إيمانكم به مع بقائكم على تعاديكم وتفرقكم ودين اللّه جامع لا تفرق فيه . وهاك ما كتبته بعد حضور درس تفسير شيخنا للآية . هذه كلمة عظيمة ، وقاعدة لو بني جميع علماء الدين مذاهبهم عليها لما تفاقم أمر